المعلمة: الفصل الرابع

المعلمة: الفصل الرابع

[ الجزء الأول ]

عمري 3 سنوات.
أخيراً تمكنت من معرفة الأسماء.
أبي اسمه باول قريرات، وأمي اسمها زينيث قريرات.
أنا اسمي روديوس قريرات؛ الابن البكر في عائلة قريرات.
اعتقدت أن اسمي رودي طوال الفترة الماضية، ولم أعرف اسمي الكامل حتى هذه اللحظة بسبب عادة والديّ في اختصار الأسماء.

[ الجزء الثاني ]

“أوه، رودي يحب الكتب حقاً”
ضحكت زينيث لأني دائمًا أحمل كتابًا معي.
لم يوبخاني أبدًا أو يمنعاني من أخذ الكتب.
كنت دائمًا أضع كتاباً تحت إبطي، وفي أثناء الأكل أيضاً.
بالطبع، لن أقرأ كتاب السحر أمام عائلتي.لا أريد إخفاء موهبتي، لكني أجهل نظرة الناس للسحر في هذا العالم.
تاريخ عالمي السابق حافلٌ بنبذ السحر ومحاكم التفتيش؛ كل من تمتم بتعويذة اتهموه بالهرطقة وأحرقوه على وتد.
قد لا يكون السحر منبوذاً في هذا العالم، ما دامت كتب السحر متوفرة للعامة، لكن هذا لا يعني أن الجميع يتقبلونه. ربما يقتضي العرف بعدم استخدام السحر قبل بلوغ سن الرشد. ولعلّ الناس ترى أن السحر مضر بنمو الأطفال لأنه يسبب الإغماء عند إجهاد الطاقة السحرية.
بناءً على ما سبق، قررت إبقاء الأمر سراً عن عائلتي.
ومع ذلك خاطرت بفضح نفسي عندما كنت أطلق بعض التعويذات خارج النافذة؛ إذ كنت أرغب في معرفة مدى سرعة إطلاقها.

في بعض الأحيان، كانت الخادمة (أعتقد أن اسمها ليليا) ترمقني بنظرات حادة، أما والداي فيبدوان غير مكترثين، لذا أعتقد أن وضعي سليم.
طبعاً لن ألومهما إن منعاني من ممارسة السحر.
لكني لا أريد إضاعة فترة نموّي؛ فالمهارة توهن ما لم أطورها في وقتها.
يجب أن أستغل هذه الفترة قدر المستطاع.

[ الجزء الثالث ]

للأسف، انتهت تدريبات السحر السرية بعد أن جنيت على نفسي.
حدث هذا في ظهيرة أحد الأيام…
كنت أخطط لتسخير بعض التعويذات المتوسطة بعد أن تطور مخزون طاقتي كثيراً.
بدأت أسخّر تعويذة مدفع الماء[1] على سبيل التجربة.
الحجم: 0، السرعة: 1.
أردت فقط ملء البرميل بالماء كالعادة.
اعتقدت أنه سيمتلئ في أفضل الأحوال حتى يفيض، أو هذا ما اعتقدته.
اندفعت كمية هائلة من الماء فجأة وخلّفت ثقباً كبيراً في الجدار.
تجمدت من شدة الدهشة وأنا أحدق في حطام الجدار وقطرات الماء تتساقط منه.
لا أدري ماذا أفعل.
وجود ثقب كبير في الجدار دليل قاطع على استخدامي للسحر.
ولا يمكنني إخفاء آثار الجريمة.
استسلمت بسرعة.

“يا للهول….. ماذا حدث؟!”
دخل باول مسرعاً وحدق في الجدار فاغراً فمه.
“ماذا… رودي، أأنت بخير….؟”
باول رجل طيب بحق. ومع ذلك هو قلقٌ عليّ، لا يوجد تفسير للموقف سوى أني من تسبب به.

“مسخ سحري..؟ في هذا المكان؟!”
ما زال باول يهذر بأشياء كهذه، وهو يبحث بحذر.
“يا إلهي!”
دخلت زينيث الغرفة وتبعتها ليليا.
كانت زينيث هادئة، بخالف والدي.
أدركت زينيث شيئاً بعد أن رأت الجدار المدمر وبقع الماء على الأرضية.
“أوه…؟”
وقعت عيناها على الصفحة المفتوحة من كتاب السحر وأمعنت النظر فيها.
أخذت تقلب نظرها بيني وبين الكتاب، ثم جلست أمامي وحدقت بعينيّ بوجه لطيف.
نظرتها مخيفة. لا يوجد أثر بسمة في عينيها.
وضعت كامل تركيز عينيّ المرتعدتين على زينيث.
(إن كان ثمة درس قد تعلمته في حياتي البائسة فهو المكابرة عند الخطأ؛ أكبر خطأ).
ينبغي عليّ ألاّ أزيح نظري. لذا، لا يصح أن أتجنب عينيّ الشخص، يجب أن أنظر إلى عينيه مباشرة، فهذا يزيد من مصداقيتي. ليس المهم ما يجول في أذهانهم؛ إنما الظهور بمظهر الصادق.
“رودي، أقرأت ما كتب في هذا الكتاب بصوت عالٍ؟”
“آسف.”
طرقت رأسي واعتذرت.
الاعتذار مُحبَّذ عند ارتكاب الأخطاء؛ فالملام هنا سواي. لو اختلقت كذبة رخيصة، سأفقد مصداقيتي.

كنت كذوباً في السابق وخسرت مصداقيتي. لن أرتكب الخطأ ذاته مرتين.
“لا، لحظة، إنه من الدرجة المتوسطة…..”
“طفلنا عبقري كما توقعت كياااا!! أسمعت يا عزيزي؟!”
صرخة زينيث غطّت على كلمات باول.
أمسكت زينيث بيديّ باول وأخذت تقفز بسعادة. كم هي نشيطة.
هل قُبل اعتذاري؟
“لا، أنت.. احم، لكننا لم نعلمه القراءة، ألم ي…”
“لنحضر له معلّم سحر في الحال!! سيغدو طفلنا ساحراً عظيماً في المستقبل!!”
الارتباك واضح على باول بينما زينيث في منتهى السعادة.
يبدو أن زينيث متحمسة لأني استخدمت السحر. أو لعلّي بالغتُ في قلقي عندما ظننت أن السحر لا يصلح للصغار.
شرعت ليليا بتنظيف الغرفة بهدوء. لا شك أن هذه الخادمة تعلم أني أمارس السحر منذ فترة، أو أنها توقعت هذا. ربما السحر بنظرها أمرٌ عادي، فلم تعره اهتماماً. أو ربما كانت تريد رؤية والديّ سعيدين.
“عزيزي، اذهب إلى روى غداً لوضع إعلان وظيفة! هذه الموهبة يجب أن تصقل جيداً!”
لم تتمالك زينيث نفسها وبدأت تتكلم عن العبقرية والموهبة.
هل أنا عبقري لأنني استطعت تسخير السحر؟ أم أن القرد بعين أمه غزال؟ أم أن تسخير السحر المتوسط شيء مذهل؟ لا أدري حقاً.

على الأرجح أنني قرد.
إذ لم أمارس السحر أمام زينيث من قبل. ولكن قولها “طفلنا عبقري كما توقعت” يعني أنها كانت تعدّني عبقرياً منذ البداية. لا يوجد ما يثبت صحة كلامها…
أوه، لا.
تذكرت فجأة.
بسبب اعتكافي الدائم في أثناء قراءاتي، اعتدت ترديد العبارات التي أعجبتني. لذا كنت أتمتم أولاً باليابانية، ثم أخذت أتمتم بلغة هذا العالم لنفسي كلما قرأت كتاباً. وكلما سمعتني زينيث أردد كلمة، باتت تشرح لي معانيها. بفضلها حفظت العديد من مفردات هذا العالم.
لم يلحظ أحد أنني تعلمت أحرف لغتهم بنفسي، ولم يعلمني أحد الكلام. من وجهة نظر والديّ، ابنهما يستطيع أن يقرأ ويكتب، ويستوعب محتويات الكتب التي يقرؤها. وهذا طبعاً يجعله عبقرياً في أعينهم. لو أن ابني فعل هذا، لقلت إنه عبقري أيضاً.
نفس الأمر حدث عندما وُلد أخي الصغير في عالمي السابق. كان معدل نموه سريعاً، وكان ينجز كل شيء أسرع مما كنا ننجزه أنا وأخي الأكبر. وهذا يتضمن نطق الكلمات والمشي على قدميه. كان والداي متساهلين في المديح أيضاً. جرت عادتهما أن يقولا إننا عباقرة كلما أنجز أحدنا شيئاً مهما كان بسيطاً.
على أية حال، أنا إنسان انطوائي عاطل وفاشل، لم يكمل الثانوية، وعمره الذهني تخطى الثلاثين سنة. لم أكن لأنجز شيئاً دون هذه الخبرة. إنها تعادل عشرة أضعاف عمري الحالي! عشرة أضعاف!

“يا عزيزي! لا شكّ أن ثمة معلم سحر بارع في روى! أحضر له معلمنا!”
الآباء هم هكذا دائماً، يسعون لتوفير أفضل سبل التعليم لأبنائهم عندما يلاحظون مواهبهم. في حياتي السابقة، أثنى والداي على موهبة أخي الصغير ثناءً وجعاله يتعلم العديد من الأمور.
لكن باول عارض الفكرة. اقترحت زينيث إحضار ساحر ليعلمني في المنزل، لكن باول قال:
“مهلاً، ألم تعديني في حال رزقنا بولد فسنجعله سيافاً؟”
“إن جاءتنا بنت فعلّمناها فنون السيف، وإن جاءنا ولد فعلّمناه السحر!”
يبدو أن الأمر محسوم قبل والدتي.
“لكنه استطاع تسخير سحر متوسط بهذا العمر!! سيصبح ساحراً عظيماً لو بدأ تمرينه الآن!”
“لكن الوعد يظل وعداً، أليس كذلك؟”
“أيّ وعد هذا؟! أنت تخلف وعودك دائماً!”
“هذا وذاك أمران منفصلان!”
وهنا بدأ شجار الزوجين.
انتهت ليليا من تنظيف الغرفة بهدوء وقالت:
“لمَ لا يتعلم السحر في الصباح وفنون السيف في الظهيرة؟”
اقتراح ليليا أنهى الشجار بعد استمراره بُرهة من الزمن.
وهكذا قرر والداي الأحمقان تعليمي متجاهلين رغبة ابنهما. لا يهم، إنها فرصة جيدة. لأنني قررت العيش بجدية.

[ الجزء الرابع ]

ولهذه الأسباب، قرر رب البيت إحضار معلم سحر.
يبدو أن تعليم أطفال عائلة أرستقراطية له مردود طيب.
باول أحد الفرسان القلة في هذه المنطقة، وهو أرستقراطي من الطبقة المتوسطة. لذلك بوسعه توفير راتب يليق بمكانته.
لكنّ القرية ريفية وبعيدة جداً عن العاصمة. ولأن قريتنا تقع على أطراف المملكة، فمن النادر أن تجد مواهب هنا، ناهيك عن سحرة.
يا ترى، هل سيعثران على شخص مناسب بتقديم طلب لنقابة السحر ونقابة المغامرين؟ رغم مخاوفنا، كانت الصدمة أننا حصلنا على معلم بسهولة، وسيبدأ بالحضور اعتباراً من الغد. يبدو أنّ المعلم سيبيت معنا في المنزل لعدم وجود مسكن في القرية.

يتوقع والداي أن المعلم مغامرٌ سابق.
في هذا العالم، السحرة ذوو المستوى المتقدم وما يعلوه هم من يسمح لهم بتعليم السحر. كما أن الشبان لا يأتون إلى المناطق الريفية، وسحرة البلاط وظائفهم متوفرة بكثرة في العاصمة. وبناءً على هذا، فالراجح أن مستوى المغامر فوق المتوسط.
لا شك أنه رجل كهل أو طاعن في السن، قضى حياته في دراسة السحر. شيخٌ ذو لحية ساحرة، حنّكتْه السنين.

“أنا روكسي، تشرفت بلقائكم.”


فتاة يافعة. أو هذا ما كنت أظنه، لكن جاءت فتاة تبدو بسن المرحلة الإعدادية.
كانت ترتدي معطفاً بنياً كمعاطف السحرة. شعرها الأزرق الفاتح في ضفيرتين معقودتين، جسدها الصغير متناسق تماماً، بشرتها بيضاء لم تمسها سمرة الشمس، وشفتاها صغيرتان، عيناها شبه ناعستين، ومع أنها لا تلبس نظارة، إلا أنها تعطي انطباع الفتاة المجتهدة التي تدرس دائماً في المكتبة (دافورة الكتب). تحمل حقيبة في يدها، وصولجان سحر في اليد الأخرى.
واستقبلناها نحن الثلاثة في هذا المنزل.
“……”
“……”
والداي يندهشان وهما ينظران إليها. فعلاً، ردة الفعل معقولة، المشهد مختلف تماماً عما توقعناه. وقعنا في خطأ توقعنا مجيء شيخ ذي لحية، لا فتاةً لم ينبت لها شعر عانة.
بالنسبة لشخص مثلي، لعب العديد من الألعاب، لا أستغرب من وجود ساحرة لولي. لولي، عينان ناعستان، غير ودودة. إنها مثالية بهذه الصفات الثلاثة.
أرجوك صيري زوجتي.

موشوك تينساي المجلد الاول الصورة 3

“… أأنت المعلم الخصوصي؟”
“أوه … نوعاً ما…”
أضفت قائلاً عندما لاحظت تلعثم والديّ.

“أنت صغيرة.”
“لا أريد سماع هذا من قزم.”
ألجمتني فوراً. هل تعاني عقدة من صغرها؟ مع أنني لم أقصد صغر صدرها.
تنهدت روكسي ونظرت من حولها ثم سألت:
“المهم، أين التلميذ الذي يفترض أن أعلمه؟”
“إنه هذا الطفل.”
أجابتها زينيث وهي تحملني بين يديها.
غمزت لها.
اتسعت عيناها وتنهدت.
“ف. هذا يحصل بين فينة وأخرى، يصادف أبوين أحمقين يظنان أن ابنهما موهوب حسبما تحسّن قليلاً…”
تذمرت روكسي بهدوء.
سمعتك يا محترمة!!
الحقيقة في، أوافقها الرأي تماماً.

“هل قلت شيئاً؟”
“لا، أفترض أن طفلكما لا يفهم مبدأ السحر، صحيح؟”
“لا تقلقي، طفلنا رودي موهوب جداً!”
أجابتها زينيث بإجابة تقليدية يقولها كل ولي أمر أحمق.
تنهدت روكسي مجدداً.
“هآ. مفهوم، سأبذل ما بوسعي.”
تراجعت عن قول المزيد. واضح أنها…
وهكذا تقرر أني سأحضر دروس روكسي في الصباح ودروس السيافة مع باول في الظهر.

[ الجزء الخامس ]

“حسناً يا رودي، لنبدأ بكتاب السحر… لا، لنختبر أولاً كمية السحر التي يمكنك تسخيرها.”
أخذتني روكسي إلى فناء المنزل في أول درس لنا. يبدو أن دروس السحر تقام في الخارج عادةً. روكسي تعلم أن ممارسة السحر داخل المنزل خطر، وطبعاً لن تحطم جداراً كما فعلت.

“دعني أريك.『كرة الماء』هب ماءَك العظيم لعبدك المحتاج، ولتتدفق نقاوته الخالصة هاهنا.”
تنطق الترنيمة. تكونت رصاصة ماء بحجم كرة سلة في يد روكسي، ثم انطلقت الرصاصة نحو إحدى الأشجار بسرعة خاطفة.
صوت حطام
انكسر جذع الشجرة وتبلل السور خلفها. الرصاصة حجمها 3، بسرعة 4 أو شيء قريب من هذا.
“ما رأيك؟”
“تلك شجرة أمي المفضلة، أعتقد أن أمي ستغضب.”
“ماذا؟! أحقاً؟”
“نعم.”
أذكر ذات مرة عندما كان باول يلوّح بسيفه وقطع بعض الأغصان. غضب زينيث آنذاك كاد يفضخ قلبي.
“ويلي، عليّ فعل شيء…..!!”
أسرعت روكسي نحو الشجرة لتجمع الأغصان المكسورة. وجهها محمراً من شدة الخجل، جمعت الأغصان.

“『شفاء』قدرته على النهوض من جديد، فلتتحول قوة الرب إلى محصول وافر يُمنح لمن فقد، احم…”
ترنيمة أخرى.
عادت الأغصان كما كانت عليه في السابق.
“هيه.”
تنفست روكسي الصعداء.
مذهل. عجيب. سأجاملها وأثني عليها.
“يا معلمتي، أتجيدين أيضاً استخدام سحر الشفاء؟!”
“امم، أجل. يمكنني تسخيره حتى المستوى المتوسط.”
“مذهل!! هذا مذهل!!”
“لا، بمقدور أي شخص الوصول لهذا المستوى إذا تدرب جيداً.”
جوابها جادٌ بعض الشيء، لكن وجهها صريح، ارتفعت شفتاها وأنفها بفخر وسرور. إنها سعيدة. غمرتها الغرور، قلت “مذهل” مرتين فإسعادها سهل جداً.

“حان دورك يا رودي، أرني ما لديك.”
“حسنٌ.”
رفعت يدي….
ويحي، لم أستخدم ترنيمة رصاصة الماء منذ سنة تقريباً، لا أستطيع تذكرها الآن.
لنجرب ما قالته روكسي قبل قليل. هممم.
“احم، كيف قلتيها؟”
“هب ماءَك العظيم لعبدك المحتاج، ولتتدفق نقاوته الخالصة هاهنا.”

أجابت روكسي ببرود. يبدو أنها كانت تتوقع هذا. حتى وإن كانت إجابتي ببرود، لا يمكنني حفظها من أول مرة.
“هب ماءَك العظيم لعبدك المحتاج…… كرة الماء”
اختصرت الترنيمة لأني عاجز عن تذكرها.
سأصنع رصاصة أصغر حجماً وأقل سرعة مقارنة برصاصة روكسي. ستزعل لو جعلتها أكبر. أنا كريم ومتسامح جداً مع الفتيات الصغيرات.
اندفعت رصاصة الماء بحجم كرة سلة اندفاعاً هائلاً، ثم دوى صوت انكسار شديد وسقطت الشجرة.
نظرت روكسي نحوي باستغراب.
“هل اختصرت الترنيمة؟”
“نعم.”
أهذا سيئ؟ تذكرت، الترنيم الصامت غير مذكور في كتاب السحر. كنت أمارسه بشكل طبيعي. هل هي غاضبة لأن الوقت ما زال مبكراً على ممارسة الترنيم الصامت؟ أم أنه فعال محرم؟ لا أدري. أرجو أن تلومني على تقاعسي في الترنيم وحسب.

“أتختصر ترنيمك عادةً؟”
“عادةً… لا ألفظه.”
أجبتها بصراحة. لم أعرف كيف أرد على سؤالها. ما دمت كشف أمري عاجلاً أم آجلاً، سأحضر دروسها.

“ترنيم صامت؟!”
اتسعت عينا روكسي ونظرت إليّ بارتياب. لكن سرعان ما عادت لتعبيرها الجاد.
“… فهمت، إذن تستخدم الترنيم الصامت دائماً. أتشعر بالتعب؟”
“لا، لا أشعر بشيء.”
“هكذا إذن، حجم رصاصة الماء وقوتها لا بأس بهما.”
“شكراً لك.”
ابتسمت روكسي أخيراً. في الحقيقة، كانت ابتسامة كبيرة. وتمتمت لنفسها قائلة:
“….. إذن هو يستحق العناء.”
“يا محترمة! أخبرتك سابقاً يمكنني سماعك!”
“والآن لننتقل إلى التعويذة التالية…”
بدت روكسي متحمسة، وقبل أن تفتح كتاب السحر…
“هآآآآآآه!!!!”
صرخة أتت من خلفي خرقت طبلة أذني. إنها زينيث؛ جاءت لتلقي نظرة علينا. أسقطت الصحن من يدها وانسكب الشراب على الأرض. أخذت تحدق بالشجرة مغطيةً فمها بيديها. بدا على وجهها تعبير حزين. ثم تحوّل فجأة إلى غضب عارم. ويلي، هذا سيئ.

هرعت زينيث إلى روكسي وهي تقول:
“آنسة روكسي!! هلاّ امتنعت عن معاملة حديقتي كحقل تجارب!”
“ماذا؟! ولكن رودي من كسرها!”
“حتى وإن كان رودي، أنت من سمحت له!”
صُعقت روكسي، كانت مصعوقة تماماً، أخفضت رأسها بأعين فارغة. بالطبع، لا يصح أن تلقي اللوم على طفل في الثالثة من عمره.
“نعم… معك حق.”
“أرجو ألاّ يتكرر هذا مرة أخرى!!”
“حاضر يا سيدتي، أنا آسفة جداً….”
ألقت زينيث سحر شفاء لإصلاح الشجرة ومن ثم عادت للمنزل.

“ارتكبت غلطة بهذه السرعة….”
“معلمتي…”
“هههه، ربما يفصلوني غداً.”
جلست روكسي على الأرض وأخذت ترسم في التراب تعبيراً عن كآبتها. إنها لا تحتمل النكسات.
ربّت على كتفها.
“…… رودي؟”
لا أعرف كيف أواسيها مع أني ربّت على كتفها، لم أتواصل مع بشر لقرابة 20 سنة. … آسف، لا أعرف حقاً ماذا يجب أن أقول الآن.
لا، اهدأ. فكر جيداً. كيف سيواسيها بطل لعبة منحرفة في موقف كهذا؟

هممم، أفترض أنه شيء كهذا.
“هذا لا يعدّ فشلاً يا معلمتي.”
“رودي…؟”
“إنما اكتساب خبرة.”
نظرت روكسي نحوي بدهشة.
“صحيح، شكراً.”
“أجل، لنكمل الدرس من فضلك.”
وهكذا صارت علاقتي حسنة بروكسي منذ اليوم الأول.

[ الجزء السادس ]

تدريبات باول تبدأ في الظهر.
اقتصرت التدريبات على الناحية البدنية لعدم وجود سيف خشبي يلائم جسدي الصغير.
ركض، ضغط، تمرين معدة… إلخ.
يبدو أن خطة باول تتمحور حول اعتياد جسدي على الحركة. لا يمر يوم دون أن أمارس تدريبات الجسد الأساسية حتى في الأيام التي ينشغل فيها باول. بعض الأمور لا تتغير مهما تغير العالم. بذلت جهداً.
تدريباتي يفترض أن تنتهي عند مغيب الشمس، لكننا نتوقف عصراً لأن جسدي الصغير يفتقر اللياقة اللازمة. لذا خصصت بقية الوقت لاستهلاك طاقتي السحرية حتى يحين موعد العشاء.
يختلف استهلاك الطاقة في التعويذات السحرية حسب ‘التغييرات في الحجم’.
لو افترضنا أن الطاقة اللازمة لتفعيل التعويذة قيمتها ثابتة، فكلما ضاعفنا حجم التعويذة وسرعتها، زاد استهلاك الطاقة. مشابهة نوعاً ما لقانون حفظ الطاقة. أما العكس فغير صحيح؛ كلما قللنا من حجمها، زاد استهلاك الطاقة.

لا يمكنني استيعاب منطقها، تسخير رصاصة ماء بحجم قطرة يتطلب مني مقدار طاقة أكبر من رصاصة ماء بحجم قبضة اليد. أمرٌ محيّر.
سألت روكسي عن هذا، فأجابتني قائلة: “إنه كذلك حسب”. يبدو أن السبب ما زال غامضاً. لكن هذا لا يضر، لا أفهم آلية عمل السحر، ما دمت أحصل على نتائج مرضية من التجارب.

ازداد مخزون طاقتي كثيراً في الآونة الأخيرة. لن أتمكن من استهلاكه تماماً إن لم أستخدم بعض التعاويذ القوية. استنفاد مخزون طاقة بهذا الحجم يتطلب تسخير أقصى المعطيات كي يفرغ. لقد حان الوقت لتنمية مهارتي.
لذا قررت القيام ببعض الأعمال الدقيقة. سأستخدم السحر في عمل صغير معقد ودقيق، كصنع تمثال ثلجي، أو إشعال نار بطرف أصبعي، أو إقفال الأبواب وفتحها، أو تجزئة تربة الفناء إلى مكوناتها الأساسية، أو ألواح الخشب… إلخ.
ثمة صعوبة في إعادة تشكيل الأشياء المتينة الصلبة، فلو أخذنا المعادن على سبيل المثال، نجد أن إعادة تشكيلها يتطلب قدراً أكبر من الطاقة. كلما زادت كثافة المعادن في الغرض، زاد قدر الطاقة المستهلك.
كلما ازداد تعقيد وتفصيل المهمة، وكلما تركّز نطاق التحكم، ازدادت دقتها وكفاءتها، ويزداد استهلاك الطاقة بشكل فائق. الأمر أشبه برمي كرة قاعدة عبر إدخال خيط في ثقب إبرة في نفس الوقت.
وأيضاً جربت أنواعاً مختلفة من السحر في الوقت ذاته، تسخيرها معاً يتطلب على الأقل 3 أضعاف كمية الطاقة المعتادة. إذن، سأستهلك كامل مخزون طاقتي، استخدمت نظامين سحريين مختلفين وسخرتهما على مهل، وبخفة، ودقة في وقت واحد. بعد أن استمرت تماريني اليومية لفترة، وأخيراً آتت ثمارها، صرت أعجز عن إفراغ مخزون طاقتي المتزايد حتى لو سخرت التعاويذ لنصف يوم أو أكثر. أعتقد أن هذا كافٍ.

بدأت عزيمتي تضعف. عظامي المتكاسلة تكاد تنطق وتقول أنها قد بلغت كفايتها.
وفي كل مرة، كنت أصرخ وأعاتب نفسي.
ستترهل عضلاتي إن توقفت عن التدريب.
وعلى نفس المبدأ، فالطاقة تضعف مع التقاعس. لا أستطيع إهمال التمارين بحجة أن مخزوني قد زاد قليلاً.

[ الجزء السابع ]

يمكنني سماع بعض الآهات المزعجة بينما كنت أسخر السحر في منتصف الليل.
ما مصدرها؟ طبعاً، غرفة باول وزينيث. ساعة شغل.
قد أحصل على أخ أو أخت في المستقبل القريب.
أرجو أن تكون أختاً صغيرة. نعم، لا أريد أخاً صغيراً. مشهد أخي الصغير ما زال يؤرقني وهو يحطم حاسبي الآلي بالمضرب. لا أريد إخوة. الأفضل أخت ظريفة.
“يا لطيييييييف~~”
في حياتي السابقة، كنت أُسكتهم بضرب الجدار عندما أسمع تأوهات كهذه. توقفت عن إحضار أختي لهذا السبب، أيّ شاب معها. يا لها من ذكرى.
في ذلك الوقت، اعتقدت أن من يفعلون هذا هم السواد الذي لطّخ عالمي. فلطالما رأيت أولئك المتنمرين الساخرين في منزلةٍ لا أستطيع بلوغها. إذ أرغموني على العزلة الموحشة والمظلمة، ثم استحقروا وجودي فيها. لم أستطع التنفيس عن غضبي المكبوت، لا شيء مذل أكثر من هذا.

لكن تغيرت طريقة تفكيري في الآونة الأخيرة. ربما لأنني الآن مجرد طفل، أو لأن تركيزي مشغول في بناء مستقبلي. ومع ذلك، سأظل أسترق السمع لما يفعالنه برحابة صدر لأن والداي هما من يمارسان طقوس الأزواج، ولأنعش مزاجي. احم، أنا بالغ أيضاً….
يمكنني تخمين ما يحدث بمجرد سماع الأصوات. من الواضح أن باول بارع في فنون الفراش، ونشيط كالحصان. قبل أن تنقضّ زينيث الالهثة والمنهارة من الجولة السابقة، سمعته يقول “ما زلنا في أول الليل~”. يبدو لي مواعدة بطل لعبة منحرفة. لياقته تفوق الوصف…
مهلاً، هل انتقلت لي فحولة باول وراثياً؟ ولو قليلاً منها؟ قد يأتي يومٌ تستيقظ فيه طاقتي الموروثة لأبحث عن شريكتي في البطولة، وأشق طريقي نحو زهرتها الوردية!
خفّ حماسي مؤخراً عما كان عليه في البداية، وصرت أمشي بهدوء إلى المرحاض عبر الممر المصرصر. لعلمكم، صوت الصرير عادةً ما يتوقف عند اقترابي من غرفتهما. صدفة غريبة.
في إحدى الليالي الساخنة، قررت الذهاب إلى المرحاض لأبيّن لهما أن ابنهما موجود ويمكنه المشي. هل أتحرش بهما اليوم؟ وأطرح عليهما هذا السؤال: بابا، ماما، ماذا تفعلان وأنتما عاريان؟ هعهعهع… ههههه، أتطلع لسماع أعذارهما.
خرجت من غرفتي بهدوء. لكن سبقني شخص آخر. فتاة زرقاء الشعر تجلس في الممر المظلم وتختلس النظر من طرف الباب. وجهها محمر، وأنفاسها متسارعة، وعينها الصقة بالباب تركز بما يحدث داخل الغرفة. يمكنني رؤية يدها تلعب أسفل ثوبها.
عدت إلى غرفتي بهدوء.

روكسي فتاة ناضجة. أنا إنسان متساهل. سأتظاهر وكأنني لم أرها تشبع رغبتها.
…… بالطبع أمزح.
المشهد قمة في الروعة!

[ الجزء الثامن ]

مضت 4 أشهر.
أصبحت قادراً على استخدام كل التعاويذ المتوسطة.
صرت الآن آخذ دروساً ليلية من روكسي، والدروس الليلية احم، لا شيء منحرف يدور بيننا في هذه الدروس؛ الدروس تتناول معارف مختلفة في الغالب.

روكسي معلمة جيدة.
لا تلتزم كثيراً بالمنهج، إذ تتكيّف بسهولة على مدى فهم تلميذها. تعلمني حسب سرعة استيعابي. كانت تطرح عليّ الأسئلة من كتاب المرشد، وكتاب ملحق آخر لتختبرني؛ ← كانت إجابتي صحيحة، تنتقل إلى الموضوع التالي، ← لم أفهم، تدرسني بسعة بال. وهذا فقط كفيل بتغيير نظرتي للعالم.

في حياتي السابقة، أحضرنا معلماً خصوصياً في فترة اختبارات القبول الأكبر . اعتراني فضول في إحدى المرات لسماع الدرس، لكن طريقة التدريس لم تختلف عن المدرسة. أما دروس روكسي، فهي سهلة الفهم ومشوقة. كانت تجيب على أسئلتي بإجابات حقيقية. فضلاً عن أن معلمتي بعمر طالبة في الإعدادية ومفعمة جنسياً. أفضل موقف عشته في حياتي! في وضعي السابق، تخيّل المشهد كفيلٌ بجعلي أستمني ثلاث مرات.

[ الجزء التاسع ]

“يا معلمتي، لمَ السحر يستخدم في القتال فقط؟”
“هممم، حسب… في الحقيقة، لا يستخدم السحر في القتال فقط…”
روكسي تجيب كالمعتاد عن أسئلتي العشوائية بجدية.
“من أين أبدأ…؟ أولاً، يُقال إن السحر ابتكرته عشيرة الجان ذوي الآذان الطويلة (High Elves).”
مذهل، جنيات! حقاً؟! أهن موجودات؟ شقراء، ثيابهن خضراء، يحملن الأقواس والسهام، مجسات الوحوش تداعبهن، وهنّ مقيدات… احم، اهدأ.
الأمر يختلف كثيراً عما في مخيلتي. اسمهم واضح، لكن لديهم آذان طويلة…
“من هم عشيرة الجان ذوي الآذان الطويلة؟”
“هممم، جان الآذان الطويلة هي عشيرة عريقة من الجن تعيش في شمال قارة ميليس.”
بناءً على شرح روكسي:
في غابر الزمان، وقبل اندلاع الحرب العظيمة بين البشر والشياطين، كان العالم غارقاً في الفوضى والحروب. تواصلت عشيرة جان الآذان الطويلة مع أرواح الغابة آنذاك لتحمي نفسها من الغزاة، فأصبح أفرادها يتحكمون بعنصري الأرض والرياح. يُقال إن سحرهم هو أقدم سحر في التاريخ.
“إذن السحر له تاريخ أيضاً؟ عجيب!”
“طبعاً.”
أومأت روكسي متجاهلةً سؤالي الساخر.

“سحر هذا الزمان نتج من تقليد البشر لسحر عشيرة جان الآذان الطويلة في تلك الحروب، ومن ثم طوّروه. البشر جيدون في هذه الأمور.”
“البشر جيدون في هذه الأمور؟”
“نعم، العرق البشري هو من يبتكر الأشياء الجديدة في معظم الأحيان.”
يبدو أن البشر يحبون الاختراع.
“سبب حصر استخدام السحر في المعارك هو أننا نملك وسائل وأدوات أخرى تغنينا عنه في حياتنا اليومية.”
“ماذا تقصدين بوسائل أخرى؟”
“على سبيل المثال، إذا احتجت النور، تضيء شمعة أو فانوس، أليس كذلك؟”
فهمت، الأمر طبيعي جداً. استخدام الأدوات أسهل من تسخير السحر. هذا منطقي. لكن الترنيم الصامت أكثر سهولة من استخدام الأدوات.

“وأيضاً، بعض أنواع السحر ليست قتالية، مثل سحر الاستدعاء الذي يمكّنك من استدعاء الوحوش السحرية، أو الأرواح، أو الأتباع الأقوياء.”
“سحر استدعاء! هل ستعلميني تسخيره؟!”
“قط، لم أستخدمه. وبشأن الأدوات، ثمة أدوات سحرية أيضاً.”
أدوات سحرية. يمكنني تخيلها بمجرد سماع المصطلح.
“ما الأدوات السحرية؟”
“إنها أدوات لها خصائص مميزة، جزءها الداخلي منقوش بعلامة سحرية تسمح لأي شخص باستخدامها، حتى وإن لم يكن ساحراً، ولكن هذه الأدوات السحرية تستهلك طاقة.”
“فهمت.”
صوّرتها تماماً كما ت.

المؤسف أن روكسي لا تجيد سحر الاستدعاء. من السهل تمكنت من فهم سحر القتال وسحر الشفاء، لكني لا أملك أدنى فكرة عن سحر الاستدعاء. فضلاً عن مصطلحات جديدة لم أسمعها من قبل: أتباع، وحوش روحية، أرواح، الحرب العظيمة بين البشر والشياطين…

“يا معلمتي، ما الفرق بين المسوخ السحرية والوحوش السحرية؟”
“لا يوجد فرق كبير.”
ببساطة، المسوخ السحرية هي مخلوقات طرأت عليها بعض التغيرات. بعد أن تزايدت أعداد المسوخ السحرية بالصدفة، أصبح لها عرقها الخاص. ومع تعاقب الأجيال، قد تكتسب ذكاءً محدوداً، فتسمّى حينها وحوشاً سحرية. الوحوش السحرية العاقلة تمتنع عادةً عن مهاجمة البشر، خلافاً للمسوخ السحرية. لكن، ثمة وحوش سحرية تهاجم البشر في هذه الحالة، وعدة حالات عادت فيها الوحوش السحرية إلى أصولها كمسوخ سحرية بعد أن زادت وحشيتها. إذ توجد، أيْ لا توجد حدود واضحة بينهما.
مسوخ سحرية = تهاجم البشر.
وحوش سحرية = لا تهاجم البشر.
لا بأس إن فهمتها هكذا.

“وعلى نفس المنوال، هل تطوّر العرق الشيطاني من المسوخ السحرية؟”
“لا، العرق الشيطاني سمّوا بهذا الاسم منذ قديم الزمان، بسبب الحرب البشرية الشيطانية.”
“أهي نفس الحرب العظيمة التي ذكرتها قبل قليل؟”
“نعم، الحرب الأولى وقعت قبل حوالي 7000 سنة.”
“إنها حرب قديمة حقاً.”
“تاريخ هذا العالم قديم بالفعل. ليست بحرب قديمة، استمرت الحرب بين البشر والشياطين منذ 7000 عام حتى توقفت قبل 400 سنة.”

حسبت أن 400 عام ليست بفترة قديمة، لكن الحرب استمرت فعلياً لما يقارب 7000 سنة. هل العلاقة بينهما سيئة جداً؟
“حسناً، فهمت. إذن ما أصل الأعراق الشيطانية؟”
“تعريف الأعراق الشيطانية متعب ومعقد….. يمكنك القول إنها القبائل التي وقفت في صف الشياطين في الحرب الأخيرة، هذا أسهل للفهم. بالطبع هناك حالات شاذة. لعلمك، أنا أنتمي إلى عرق شيطاني.”
“أحقاً؟”
معلمتي المنزلية من سلالة الشياطين. أيعني أن الصراع قد توقف؟ الأمن نعمة.
“بشكل أدق، أنحدر من قبيلة ميقورد من منطقة بيقويا في القارة الشيطانية. ألم تلحظ اندهاش والديك عند رؤيتي؟”
“ألنّ معلمتي صغيرة.”
“لست صغيرة!”
أجابت روكسي باستياء، يبدو أنها متعقدة من صغرها.
“أصابتهم الدهشة بسبب لون شعري.”
“لون شعرك؟”
شعرها الأزرق جميل برأيي.
“ثمة شائعة تقول: كلما اقتربت درجة لون شعر الشيطان إلى اللون الأخضر، زاد عنفه وخطورته. أحياناً يبدو شعري بلون أخضر حسب مستوى الإضاءة…”

أخضر.
أهذا لون الخطر في هذا العالم؟ شعر روكسي الأزرق الجميل يصدم الناس.
كانت روكسي تلعب بخصلة شعرها وهي تشرح لي. حركاتها ظريفة.
الشعر الأزرق في اليابان يضعه إما المعاتيه أو العجائز الشمطاوات. كليهما يشعراني بالغرابة والغثيان. لكن شعر روكسي لا يشعرني بالغرابة، ولم أقرف منه. يمكن القول إنه يناسب وجهها الناعس. لو كانت شخصية رئيسية في لعبة مواعدة، مسارها التختيمة الأولى منحرفة، لأستحقّها.
“يا معلمتي، شعرك جميل.”
“…… شكراً على الإطراء، لكن احتفظ بهذا الكلام لفتاة قد تحبها في المستقبل.”
“لكني أحبك يا معلمتي.”
قلتها دون تردد. لست بشخص متردد. سأفصح عن حبي لجميع الفتيات الظريفات.
“حقاً؟ لم تتغير طريقة تفكيرك بعد عشر سنوات، لذا حاول مجدداً، سأفكر بالأمر.”
“تم.”
لمحت أثر سعادة طفيف على وجه روكسي.
يبدو أن خبرتي المديدة في الألعاب المنحرفة لم تكن مجرد مضيعة وقت، ولعلّي أستفيد منها هنا. ردّ رومانسي كهذا قد يكون مزحة مبتذلة في اليابان، لكنه قد يشعل فتيل الحب بالصدفة في هذا العالم.

لحظة، ما هذا الهراء الذي أفكر فيه؟
روكسي ظريفة ومثيرة، أتمنى تشبيكها[1]. لكن بيننا فارق عمر كبير. ماذا سيحدث في المستقبل يا ترى؟

“استكمالاً لحديثنا، مقولة [كلما بهت لون شعره، زادت خطورته] محض خرافة.”
“إذن، كلها مجرد خرافة.”
ظننته لون الخطر.
“نعم، أساس الشائعة هم قبيلة سيبيرديون من منطقة بابينوس، عرق شيطاني معروف بشعره الأخضر؛ ارتكبوا مجازر دموية كثيرة في الحرب قبل 400 عام. كما ترى، لون الشعر لا علاقة له بالأمر.”
“مجازر دموية؟”
“نعم، جرائمهم في تلك الحرب التي دامت لأكثر من عشر سنوات بثّت الرعب والكراهية في قلوب الحلفاء والأعداء، لذا حوكموا وطُردوا من القارة الشيطانية بعد انتهاء الحرب. وهذا يدل على مدى خطورتهم.”
نفوه بعد انتهاء الحرب؟ عجيب.
“هم مكروهون لهذه الدرجة… أ”
“ببساطة نعم.”
“ماذا فعلوا؟”
“في الحقيقة، إنها… مجرد قصص سمعتها في طفولتي. سمعت أنهم هاجموا معسكرات الحلفاء من العرق الشيطاني، نحروا كل من فيه من الرجال والنساء والأطفال، وسمعت أنهم قتلوا حلفاءهم بعد إبادة العدو. سمعت عنهم حكايات كثيرة في صغري، يقولون إن سهرت ليلاً، سيأتي بير دي ويأكلك! قصصٌ كهذه.”
إذن لديهم أساطير في هذا العالم، كقصص الرعب وما شابه.

“لذلك تورّطت قبيلة الميقورد في بعض الصفات، وعوملنا معاملة سيئة في الماضي. سيخبرك والداك بهذا يوماً ما……”

“اسمع.”
اشتدت نبرة صوت روكسي.
“إن صادفت شخصاً له شعر زمردي اللون وحجر ياقوت أحمر في جبهته، فلا تقترب منه أبداً! ولو احتجت إلى التواصل معه، فاحرص على عدم إغضابه.”

شعر زمردي اللون، حجر ياقوت أحمر في الجبهة. يبدو أن هذه مواصفات الشياطين.
“ماذا سيحدث إن أغضبتهم؟”
“قد يقتل جميع أفراد عائلتك.”
“شعر زمردي اللون وحجر ياقوت أحمر في الجبهة، صحيح؟”
“نعم، إنها عينٌ ثالثة؛ الحجر في جباههم يرى تحركات الطاقة السحرية.”
“هل قبيلة بيرسال تتكون من النساء فقط؟”
“لا، يوجد رجال أيضاً.”
“هل يتغير لون الحجر من الأزرق إلى الأخضر لو فعلت شيئاً ما؟”
“هاه؟ ال..؟ لم أسمع بهذا من قبل.”
أمالت روكسي رأسها وهي مستغربة من سؤالي المنحرف.
المهم أني أشبعت رغباتي بهذا السؤال[1].

“لكن من السهل تمييز هذه المواصفات، أليس كذلك؟”
“نعم، إن رأيت أحدهم فحاول تفاديه وتعذّر بأي شيء، فإن هربت فجأة قد يثير غضبه أيضاً. لو هربت أمامه، سيطاردك دون سبب.”
أتحدث من واقع الخبرة.
“بناءً على كلامك، ألا بأس إن أظهرت لهم احترامي؟”
“بأس بهذا، ما دمت لا تسيء إليهم مباشرة. لكن، ثمة اختلافات ثقافية عديدة بين البشر والشياطين، فمن المحتمل أن تغضبهم لسبب تافه، لذا يفضّل أن تتجنب إلقاء تعليقات ساخرة.”

هممم. يبدو أن استفزازهم سهل. ربما الناس يتحاشونهم رعباً منهم، لا خوفاً من إصابة. شعور مشابه لمن يتجنب شخصاً مخيف المنظر. مخيف، هذا مخيف. لا أعتقد أني سأتناسخ مرة ثانية، من الأفضل أن أتجنبهم تماماً. لا تعبث مع قبيلة بيرس ال. ختمتها في قلبي.

[ الجزء العاشر ]

مضى عام آخر تقريباً.
استمرت دروس السحر بسلاسة، وتمكنت مؤخراً من تسخير كل تعويذات المستوى المتقدم. طبعاً باستخدام الترنيم الصامت. السحر المتقدم سهل ككنخر أنفي مقارنة باستخدامه بالمستويين السابقين. أغلب السحر المتقدم عبارة عن هجمات بعيدة المدى، ذات نطاق استخدام كبير، لذا محدود نوعاً ما. تعويذة كأنزلت المطر على منطقة كبيرة، عساها تفيدني؟
تذكرت أن روكسي عالجت مشكلة القحط بعد مجيئها إلى القرية، حيث أنزلت المطر ونالت مديح الجميع. سمعت هذا من باول، فأنا لا أخرج من المنزل. وسمعت أيضاً أنها لبّت طلبات عديدة من القرويين واستخدمت سحرها لحل المشاكل.
في تصوّر الأحداث، شطح خيالي:
[وجدت صخرة كبيرة وأنا أحرث الأرض، أرجوك ساعدني يا روكايمون!]
[دع الأمر لي، دان*راكو.]
[أيّ سحر هذا؟] ذهلت.
[إنه سحر خليط.] استخدمت سحر الماء لترطيب التربة حول الصخرة، ثم سخرت سحر الأرض لتصر حالاً.
[الصخرة تغوص!!!]
[مدهش، عجيب!]
[أفا عليك.] ههههه

“كما هو متوقع من معلمتي، أنت تحبين مساعدة الآخرين.”
“مساعدة الآخرين؟ لا، أنا أكسب رزقي.”
“أتأخذين أجراً مقابل ذلك؟”
“بالطبع.”
يا لها من طمّاعة!
القرويون يخالفونني الرأي، إذ يعدّون الأمر طبيعياً، واستمروا في التودّد إلى روكسي. وروكسي هي أول من قدم هذه الخدمة الجليلة لأهل القرية. علاقة أخذ وعطاء.
لعلّي تسرّعت في الحكم عليها. لا يصحّ أن أقيس الأمور بأخلاق اليابان التي ترى أن مساعدة الآخرين واجبة دون تكسّب. من الطبيعي أن تتقاضى أجرتك، هذا منطقي. على أي حال، أنا شخص انطوائي بائس لم يفكر قط في مدّ يد العون لغيره من البؤساء، فضلاً عن كوني عالة على عائلتي.
.. ههههههه.

[ الجزء الحادي عشر ]

سألت في أحد الأيام.
“أيمكنني مناداتك يا معلمتي بأستاذة؟”
أبدت روكسي استيائها.
“لا، في المستقبل، ستتفوق عليّ بسهولة، من الأفضل ألاّ تناديني بهذا اللقب.”
يبدو أني أمتلك إمكانيات واعدة لتخطي مستوى روكسي. شعرت بالخجل قليلاً عندما سمعت هذا المديح.|

“لن تنادي شخصاً أضعف منك بأستاذ، أليس كذلك؟”
“لا أمانع أبداً.”
“أكره أن يناديني شخص أفضل مني بأستاذة، فهذا يشعرني بالحرج الشديد.”
“يا معلمتي، أتقولين هذا لأن أستاذك أقوى منك؟”
“اسمع يا رودي، الأستاذ هو شخص يقول إنه هذا الكيان، علّمك كل ما في جعبته، ومع ذلك يستمر في الوصاية عليك… محض كيان مزعج.”
“لكن روكسي لن تفعل هذا بي، صحيح؟”
“ربما أفعل.”
“حتى وإن فعلت، سأرحّب بوصايتك وأظل أحترمك.”
أحب كيف تظهر علامات الرضا على محيا روكسي عندما تعظني أو تنصحني بشيء. وكلما أمطرتها بالمديح، أحب أن أرى ملامح السرور على وجهها.
“لا، قد أحسد تلميذي على إمكانياته وأقول كلاماً جارحاً.”
“مثل ماذا؟”
“لا يحق لشيطان وضيع مثلك أن يفعل كذا وكذا… أو شيء من هذا القبيل.”
هل أسمعها تقول هذا الكلام؟ مسكينة.
التعنت سيئ. لكن، هكذا تكون علاقة الرئيس والمرؤوس.

“لا بأس إن تصرفت وكأنك أفضل مني.”
“غلط!! إن تمجيد شخص لأنه يكبرك سنّاً لن يريحني ان كانت علاقة المعلم والتلميذ غير متزنة!”
أسكتني ردها الأخير. يبدو أن علاقتها بمعلمها أسوأ بكثير مما توقعت. لهذا السبب، لم أنادها بأستاذتي علناً. ومع ذلك، قررت مناداتها ‘أستاذتي’ في قلبي. لأنها علمتني ما لم تعلمني إياه الكتب.