المقدمة
أنا شخصٌ بدين، مشرّد، وعاطل عن العمل، أبلغ من العمر أربعةً وثلاثين عامًا.
إضافةً إلى بدانتي، فأنا قبيح المظهر… لكنني طيب.
إن كان هناك شيء أندم عليه، فهو الحياة التي عشتها.
في الواقع، لم أكن هكذا قبل ثلاث ساعات.
كنت انطوائيًا لم يغادر غرفته طوال عشرين عامًا.
تغيّر حالي بعدما فارق والداي الحياة على حين غرة.
وبالطبع، لم أحضر العزاء ولا أي اجتماع عائلي، ولست بحاجة إلى شرح السبب.
ولهذا… طُردت من المنزل.
بتُّ أضرب جدران الغرفة وأتخبط على الأرض كالمجنون.
ثم شرعت في ممارسة عادتي السرية.
وفجأة، اقتحم أشقائي الغرفة وهم يرتدون ملابس الحداد، وانهالوا عليّ بالشتائم والتهديد، متوعدين بقطع علاقتهم بي.
لكنني لم أُعر الأمر أدنى اهتمام، وتجاهلتهم ببرود.
أثار ذلك غضب أخي الأصغر، فرفع مضربًا خشبيًا وهوى به على جهاز الحاسوب.
ذلك الحاسوب الذي أفنيت سنوات عمري في تجميعه قطعةً قطعة…
كان فلذة كبدي.
اندفعت نحوه بجنون، لكن أخي الأكبر اعترض طريقي وأبرحني ضربًا.
أجهشت بالبكاء، وتوسلت إليهم بكل ذل، لكن دون جدوى.
سحبوني قسرًا، ثم ألقوا بي في الشارع قبل أن أتمكن حتى من جمع أغراضي.
استجمعت ما تبقى من قوتي محاولًا النهوض، بينما كان الألم ينهش صدري.
على الأرجح… لقد كُسرت بعض أضلعي.
أما كلمات إخوتي الجارحة، فما زالت عالقة في ذهني.
بدأت أترنح في الطرقات بلا وجهة، ولا تزال شتائمهم تتردد في أذني.
كلما استعدت تلك اللحظات، اجتاح قلبي ألم لا يوصف.
لماذا حدث هذا لي؟
وأين أخطأت؟

أثناء جنازة والديّ… كل ما فعلته هو الاستمناء على فيديو إباحي.
تساءلت في نفسي:
“ماذا سأفعل الآن؟”
الجواب معروف.
سأعثر على وظيفة في مكانٍ ما، وأشتري بعض الطعام.
لكن… كيف؟
فأنا لا أعرف حتى كيف أحصل على وظيفة.
بالطبع سمعت عن ديوان الخدمة المدنية، لكنني لا أعرف أين يقع بعد اعتكافٍ دام عشرين عامًا داخل المنزل.
حينها سأحتاج إلى كتابة سيرة ذاتية، ثم الذهاب لتقديم طلب توظيف.
لكن… محالٌ أن أحصل على وظيفة!
لو كنت مكانهم لما وظفت شخصًا مثلي، ربما أشفق عليه لا أكثر.
أين تُباع أوراق السيرة الذاتية؟
في محلات القرطاسية؟
أم في المتاجر؟
وربما أجدها فعلًا… لكنني لا أملك مالًا.
وحتى لو حالفني الحظ، وتمكنت من اقتراض المال، واشتريت ثيابًا جديدة، وأوراقًا للسيرة الذاتية، وبعض الأدوات المكتبية…
فماذا بعد؟
وثيقة السيرة الذاتية لا تُقبل دون عنوان إقامة.
…
انتهى أمري.
في تلك اللحظة، أيقنت أن حياتي انتهت.
…
هاه…
بدأ المطر يهطل.
آه… صحيح.
نحن في أواخر الصيف، حيث تنخفض درجات الحرارة ويبدأ الجو بالبرودة.
تساقطت قطرات المطر الباردة على ثيابي البالية.
…
لو كان باستطاعتي أن أبدأ من جديد.
لم أولد بهذا الانحطاط.
أنا الابن الثالث لعائلة غنية.
لدي أخوان أكبر مني، وأخت كبرى، وأخ أصغر.
يمكنكم القول إنني كنت طفلًا موهوبًا.
في صغري، وتحديدًا في المرحلة الابتدائية، كنت أذكى من أقراني.
ولم أكن الأول في الدراسة، لكنني كنت بارعًا في الرياضة وغيرها من النشاطات.
أما في المرحلة الإعدادية، فانضممت إلى نادي الحاسوب، وشاركت في المجلات، وجمعت المال الكافي لبناء أول حاسوب خاص بي.
بل كنت أذكى أفراد عائلتي جميعًا فيما يخص الحواسيب والبرمجة.
لكن…
نقطة التحول في حياتي جاءت في السنة الثالثة من المرحلة الإعدادية.
كنت آنذاك منشغلًا بإصلاح الحواسيب، وأهملت دراستي تمامًا.
ومنذ ذلك الوقت…
بدأ كل شيء ينهار.
كنت مقتنعًا أن التعليم لا قيمة حقيقية له، وأن النجاح الدراسي لا يفيد في الحياة.
حتى عندما انتهى بي الأمر في مدرسة ثانوية سيئة السمعة، لم أهتم إطلاقًا.
كنت أقول لنفسي:
“أنا مختلف عن بقية الحمقى.”
“أستطيع النجاح متى شئت.”
هكذا كنت أعتقد.
…
وما زلت أتذكر تلك الحادثة بوضوح.
كنت أنتظر دوري أمام المقصف لشراء الغداء.
وفجأة، رأيت أحد الطلاب يتجاوز الصف.
لم أتمالك نفسي، وسخرت منه ببعض الكلمات.
ربما كان غروري هو السبب.
لكن لسوء حظي…
كان ذلك الطالب سينباي، وثاني أخطر طالب في المدرسة.
ضربني حتى تورم وجهي.
ثم نزع عني ملابسي، وقيدني عند بوابة المدرسة وأنا عارٍ.
والتقط لي صورًا…
ثم نشرها في أرجاء المدرسة كلها.
في غضون ساعات، أصبحت أضحوكة الجميع.
وأطلقوا عليّ عشرات الألقاب المهينة.
منذ ذلك اليوم…
توقفت عن الذهاب إلى المدرسة.
واعتكفت في غرفتي شهرًا كاملًا.
حاول أبي وإخوتي تشجيعي بكل الطرق.
لكن دون جدوى.
…
في الحقيقة…
أنا من جنيت على نفسي.
ولست ألوم أحدًا.
فلو تعرض أي إنسان عاقل لما تعرضت له…
فلن يعود إلى المدرسة أبدًا.
كنت أشعر أن الجميع ينظر إلى صوري ويسخر مني.
وهكذا…
انغلقت على نفسي.
وأصبحت الوحدة صديقتي الوحيدة.
لم أعد بحاجة إلى الخروج.
فالإنترنت كان عالمي.
وصار حاسوبي كل شيء بالنسبة لي.
أثناء تجوالي في العالم الافتراضي، اكتسبت اهتمامات كثيرة.
جمعت المجسمات البلاستيكية.
ولونتها.
وأنشأت المدونات.
ولم تبخل عليّ أمي يومًا بدعم هواياتي كلما طلبت منها المال.
لكنني كنت أفقد حماسي دائمًا.
فكلما رأيت شخصًا أفضل مني…
شعرت أن إنجازاتي لا قيمة لها.
وهكذا…
ازددت انغلاقًا.
وأقنعت نفسي أنني إنسان فارغ لا يستطيع فعل أي شيء.
لكن الحقيقة…
لم تكن كذلك.
كان بإمكاني أن أصبح رسام مانغا.
أو مؤلف روايات.
أو أن أنشر أعمالي على الإنترنت.
كثيرون فعلوا ذلك وهم في ظروف مشابهة لظروفي.
أما أنا…
فاكتفيت بالسخرية منهم.
كنت أتصرف كناقدٍ مخضرم، أحتقر أعمالهم وأسخر منها…
رغم أن حياتي نفسها خالية من أي إنجاز.
…
أريد العودة.
أريد العودة إلى أيام المدرسة الابتدائية.
لقد كانت أجمل أيام حياتي.
بل…
أتمنى العودة إلى المرحلة الإعدادية.
حتى لو كانت المدة قصيرة…
لفعلت شيئًا من أجل نفسي.
وحتى لو تعثرت في منتصف الطريق…
فسأنهض من جديد.
ولو سخرت كل جهدي…
فسأنجح بالتأكيد.
…
لكن…
لماذا لم أفعل شيئًا حتى الآن؟
طالما كنت أملك حاسوبي…
كان بإمكاني فعل الكثير دون أن أغادر غرفتي.
كنت أملك وقتًا لا نهاية له.
وحتى لو لم أصل إلى القمة…
لكان بإمكاني أن أحقق نجاحًا بسيطًا.
سواء في المانغا…
أو الروايات…
أو الألعاب…
أو حتى البرمجة.
لو بذلت جهدي…
لتركت وراءي شيئًا واحدًا على الأقل.
…
آه…
لم يعد للندم أي فائدة.
حتى لو عاد الزمن إلى الوراء…
فسأتعثر مرة أخرى.
لأنني لم أتعلم يومًا كيف أجتهد.
سبب فشلي…
هو أنني لم أستطع تجاوز الصعوبات التي يجب على أي إنسان طبيعي تجاوزها.
…
“هاه؟”
ما هذه الأصوات؟
يبدو أن أشخاصًا يتشاجرون وسط هذا المطر.
حاولت تجاهلهم.
لا أريد التورط في مشاكل الآخرين.
لكن الفضول غلبني.
“كل هذا بسببك!”
“أنت السبب!”
عندما اقتربت…
رأيت ثلاثة طلاب ثانوية يتشاجرون.
فتاة…
وشابين يرتدون الزي المدرسي.
يبدو أنها مشاجرة حب.
كان الشاب الطويل يتجادل مع الفتاة، بينما حاول الآخر تهدئتهما دون جدوى.
…
(إيه…
لقد مررت بموقف مشابه من قبل.)
تذكرت صديقة طفولتي.
كانت جميلة إلى حدٍ ما.
ربما أربع أو خمس درجات من أصل عشرة.
شعرها قصير.
وكانت عضوة في نادي الجري.
عاشت بالقرب من منزلي.
ودرسنا في الفصل نفسه خلال المرحلة الابتدائية.
أحيانًا كنا نعود معًا.
وأحيانًا نتشاجر.
أضحك الآن…
لكن مجرد سماع كلمات مثل:
“الإعدادية”…
“صديقة الطفولة”…
“نادي الجري”…
يكفي ليجعلني أستمني ثلاث مرات في وضعي الحالي.
…
آه…
صحيح.
سمعت قبل سنوات أنها تزوجت.
علاقتنا لم تكن سيئة.
كنا نتحدث بحرية منذ الطفولة.
ولو أنني درست بجد، والتحقت بالمدرسة الثانوية نفسها…
لكانت فرصتي معها أكبر.
وربما كنا الآن نتشاجر مثل هؤلاء الثلاثة…
أو نتبادل المزاح بعد انتهاء الدوام داخل فصل فارغ.
…
لحظة…
أي سيناريو رخيص من ألعاب المواعدة هذا؟
…
وفي تلك اللحظة…
لاحظت شيئًا.
شاحنة ضخمة كانت تندفع نحوهم بسرعة هائلة.
وسائقها…
كان نائمًا على المقود.
ولم ينتبه أيٌ منهم للخطر القادم.
“خـ… خـ… خطر!!”
خرج صوتي ضعيفًا.
حتى المطر كان أعلى منه.
لا غرابة…
فقد مضت عشر سنوات منذ آخر مرة استخدمت فيها أحبالي الصوتية.
…
قلت لنفسي:
عليّ إنقاذهم.
وفي اللحظة نفسها…
سألت نفسي:
لماذا؟
لكنني كنت متأكدًا من شيء واحد.
إن وقفت أتفرج…
فسأندم لبقية حياتي.
سأموت جوعًا عاجلًا أو آجلًا.
إذن…
فلأختم حياتي بفعلٍ واحدٍ أستطيع الافتخار به.
لا أريد أن أموت وأنا نادم حتى اللحظة الأخيرة.
ركضت نحوهم.
ثم تعثرت.
قدماي لم تعتادا الحركة منذ عشر سنوات.
وأضلعي المكسورة كانت تؤلمني مع كل خطوة.
لأول مرة في حياتي…
تمنيت لو أنني مارست الرياضة.
أو شربت المزيد من الحليب.
لكنني واصلت الركض.
كان الألم يمزق جسدي كله.
ومع ذلك…
ركضت وكأن الجحيم يطاردني.
انتبه الشاب الطويل أخيرًا إلى الشاحنة.
فاحتضن الفتاة.
أما الشاب الآخر…
فلم يرها.
أمسكت بياقة قميصه.
وسحبته بكل ما أوتيت من قوة.
فسقط بعيدًا عن الطريق.
جيد…
تبقى اثنان.
لكن عندما رفعت رأسي…
كانت الشاحنة أمامي مباشرة.
كنت أنوي سحب الاثنين معًا…
إلا أن جسدي اندفع نحوها دون إرادتي.
فكتلة لحمٍ يزيد وزنها على مئة كيلوغرام…
لا يمكنها التوقف فجأة.
شعرت بوميضٍ خاطف.
أهذا ما يسمونه شريط الذكريات قبل الموت؟
لكنني لم أر شيئًا.
مرّ كل شيء في لحظة.
هل كانت حياتي فارغة إلى هذا الحد؟
…
قذفتني الشاحنة بعيدًا.
واصطدم جسدي بحائط إسمنتي صلب.
انسحق جسدي.
واندفع الدم من فمي.
تشنجت رئتاي بعد ذلك الركض.
لم أستطع حتى النطق بكلمة.
لكن…
الغريب أنني لم أمت بعد.
ربما…
أنقذتني طبقات الدهون المتراكمة في جسدي.
ثم…
ظهرت الشاحنة أمامي مجددًا.
ووجدت نفسي…
محشورًا بين الحائط والشاحنة.